الشوكاني

79

فتح القدير

وبه يجمع بين الأحاديث ، وقيل إنه يحل له مطلقا ، وإليه ذهب جماعة : وقيل يحرم عليه مطلقا ، وإليه ذهب آخرون ، وقد بسطنا هذا في شرحنا للمنتقي . قوله ( واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) أي اتقوا الله فيما نهاكم عنه الذي إليه تحشرون لا إلى غيره ، وفيه تشديد ومبالغة في التحذير . وقرئ ( وحرم عليكم صيد البر ) بالبناء للفاعل وقرئ ( ما دمتم ) بكسر الدال . قوله ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ) جعل هنا بمعنى خلق ، وسميت الكعبة كعبة لأنها مربعة والتكعيب التربيع وأكثر بيوت العرب مدورة لا مربعة ، وقيل سميت كعبة لنتوئها وبروزها ، وكل بارز كعب مستديرا كان أو غير مستدير ، ومنه كعب القدم ، وكعوب القنا ، وكعب ثدي المرأة ، و ( البيت الحرام ) عطف بيان وقيل مفعول ثان ولا وجه له ، وسمي بيتا لأن له سقوفا وجدرا وهي حقيقة البيت وإن لم يكن به ساكن ، وسمي حراما لتحريم الله سبحانه إياه . وقوله ( قياما للناس ) كذا قرأ الجمهور وقرأ ابن عامر ( قيما ) وهو منصوب على أنه المفعول الثاني إن كان جعل هو المتعدي إلى مفعولين ، وإن كان بمعنى خلق كما تقدم فهو منتصب على الحال ، ومعنى كونه قياما : أنه مدار لمعاشهم ودينهم : أي يقومون فيه بما يصلح دينهم ودنياهم : يأمن فيه خائفهم ، وينصر فيه ضعيفهم ، ويربح فيه تجارهم ، ويتعبد فيه متعبدهم . قوله ( والشهر الحرام ) عطف على الكعبة ، وهو ذو الحجة ، وخصه من بين الأشهر الحرم لكونه زمان تأدية الحج ، وقيل هو اسم جنس . والمراد به الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب ، فإنهم كانوا لا يطلبون فيها دما ، ولا يقاتلون بها عدوا ، ولا يهتكون فيها حرمة ، فكانت من هذه الحيثية قياما للناس ( والهدى والقلائد ) أي وجعل الله الهدى والقلائد قياما للناس . والمراد بالقلائد : ذوات القلائد من الهدى ، ولا مانع من أن يراد بالقلائد أنفسها ، والإشارة بذلك إلى الجعل : أي ذلك الجعل ( لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ) أي لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمر السماوات والأرض ويعلم مصالحكم الدينية والدنيوية فإنها من جملة ما فيهما ، فكل ما شرعه لكم فهو جلب لمصالحكم ، ودفع لما يضركم ( وأن الله بكل شئ عليم ) هذا تعميم بعد التخصيص ، ثم أمرهم بأن يعلموا بأن الله لمن انتهك محارمه ولم يتب عن ذلك شديد العقاب ، وأنه لمن تاب وأناب غفور رحيم ، ثم أخبرهم أن ما على رسوله إلا البلاغ لهم ، فإن لم يمتثلوا ويطيعوا فما ضروا إلا أنفسهم وما جنوا إلا عليها ، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد فعل ما يجب عليه ، وقام بما أمره الله به . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ( ومن قتله منكم متعمدا ) قال : إن قتله متعمدا أو ناسيا أو خطأ حكم عليه ، فإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه . وفى قوله ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) قال : إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه ، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة ، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ، فإن قتل أيلا ونحوه فعليه بقرة . فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا ، فإن لم يجد صام عشرين يوما ، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة ، فإن لم يجد أطعم ستين مسكينا ، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما ، والطعام مد مد يشبعهم . وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن الحكم أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد . وأخرجا نحوه عن عطاء . وقد روى نحو هذا عن جماعات من السلف من غير فرق بين العامد والخاطئ والناسي ، وروي عن آخرين اختصاص ذلك بالعامد . وللسلف في تقدير الجزاء المماثل وتقدير القيمة أقوال مبسوطة في مواطنها . وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في بيضة النعام " صيام يوم أو إطعام مسكين " . وأخرج ابن أبي شيبة عن